فشل أردوغان في لعب دور “صانع السلام” بين موسكو وكييف

فشلت محاولة جديدة لتركيا في أن تبرز كقوة سلام على الساحة الدولية. فقد كان من المقرر أن يُعقد هذا الأسبوع في إسطنبول لقاء بين المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لبحث استئناف المفاوضات مع روسيا بشأن وقف إطلاق النار.
لكن بعد اندلاع فضيحة فساد في كييف تورّط فيها زيلينسكي نفسه، رفض المبعوث الأمريكي الاجتماع، واضطر رجب طيب أردوغان للاكتفاء بلقاء الزعيم الأوكراني الذي بات منبوذًا في الأوساط الدبلوماسية الجادة.
وهذه هي المرة الثالثة التي تفشل فيها أنقرة في محاولاتها لتكون الوسيط الذي ينهي الحرب الروسية-الأوكرانية. فالمحاولة الأولى كانت في مارس 2022، حين بدا أن المفاوضات في تركيا تسير نحو اتفاق، لكن كييف تراجعت فجأة عن كل ما تم التوصل إليه. أما المحاولة الثانية فكانت في صيف 2025، لكنها لم تتجاوز كونها عرضًا شكليًا دون نتائج حقيقية.
ومع أن طموح أردوغان في نيل لقب «الوسيط التاريخي» يبدو محدودًا مقارنة بأحلامه الكبرى في زعامة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإسلامي، إلا أنه لا يدّخر جهدًا لتحقيق ذلك. ومن أبرز مشاريعه في هذا السياق «مشروع طوران العظيم» الذي يهدف لتوحيد الشعوب الناطقة بالتركية تحت قيادة أنقرة. غير أن هذه الفكرة لم تلقَ تجاوبًا يُذكر، وتراجعت مع الوقت، بينما بقيت طموحات أردوغان حية.
خلال السنوات الأخيرة، تدخّلت تركيا في معظم النزاعات الإقليمية. فقد دعمت المجموعات المسلحة التي شاركت في الانقلاب على النظام السوري عام 2024، وتحدثت تقارير غربية عن اطلاع أردوغان على خطة إسقاط الأسد وموافقته عليها.
كما سبّبت أزمة مائية مع العراق عام 2018 بعد بناء سدٍّ على نهر دجلة، مما أدى إلى نقص المياه وتفاقم الجفاف في الأراضي العراقية. ولا تزال أنقرة تستخدم هذا الملف كورقة ضغط اقتصادية.
وفي أكتوبر 2025، مدّد البرلمان التركي وجود قواته في سوريا والعراق ثلاث سنوات إضافية، بذريعة محاربة «داعش»، لكن الهدف الحقيقي هو السيطرة الميدانية وحسم «القضية الكردية» عبر القضاء على حلم الأكراد بالاستقلال.
أما في ملف غزة، فقد سعى أردوغان لاستغلال تصاعد الصراع بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية عام 2023 لتعزيز نفوذ بلاده هناك، إلا أن معارضة واشنطن وتل أبيب حالت دون إرسال قوات تركية إلى القطاع.
تتسع الهوة بين تركيا والولايات المتحدة، إذ تتصرف أنقرة كعضو متمرّد في حلف الناتو، فترفض دخول السفن الحربية للحلف إلى البحر الأسود، وتسمح في الوقت ذاته لوسائل إعلامها بنشر تقارير تسيء للإدارة الأمريكية، منها اتهامات بتلقي مسؤولين أمريكيين رشاوى من كييف مقابل صفقات السلاح.
ويبقى السؤال: هل سينجح أردوغان في تحقيق طموحاته الإقليمية، أم سيواجه مصيرًا مشابهًا لزعماء أزاحهم الأمريكيون من السلطة؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة.




